السؤال الذي يصلني اليوم أكثر من أي سؤال آخر ليس عن التقنية، بل عن الترتيب: من أين نبدأ بالذكاء الاصطناعي؟ وخلفه سؤال أصدق لا يقال بصوت عال: كم سنخسر إن كانت الإجابة خاطئة؟
وجوابي بعد ثلاثة عقود في هذا العمل بسيط ومزعج قليلا: أغلب ما يعرض عليك اليوم باسم الذكاء الاصطناعي لا يستحق مشروعا، وجزء صغير منه يستحق أكثر مما تتخيل. والفرق بين الاثنين لا يحتاج خبرة تقنية عميقة لتمييزه، بل قاعدة واحدة تطبق على كل فكرة قبل أن تدخل ميزانية.
لماذا تتوقف أغلب التجارب قبل التشغيل
هذه ليست ملاحظة محلية. أثار تقرير بحثي نشر عام 2025 نقاشا واسعا حين خلص إلى أن الغالبية العظمى من تجارب الذكاء الاصطناعي التوليدي في الشركات لم تنتج عائدا يمكن قياسه، وأن من نجح منها وجه الأداة إلى العمل الخلفي الممل لا إلى الواجهة اللامعة، بحسب تغطية صحفية للتقرير. وأنا أتعامل مع الرقم نفسه بحذر — منهجية التقرير نوقشت كثيرا — لكن الاتجاه يطابق ما أراه في السوق تماما.
السبب في تجربتي ليس ضعف النماذج. النماذج اليوم أقوى مما تحتاجه أغلب المؤسسات. السبب أن الفكرة تختار من الحماس لا من العمل: يرى المدير عرضا مبهرا، فيطلب شيئا مشابها، ثم يكتشف الفريق أن ما رآه لا يقابل أي عمل يستهلك وقتا فعليا في الشركة.
القاعدة الوحيدة التي أطبقها على كل فكرة
انظر إلى شكل المدخلات لا إلى اسم التقنية. إن كانت المدخلات منظمة — أرقام في حقول، وحالات معرفة، وقواعد مكتوبة — فأنت لا تحتاج نموذجا لغويا، تحتاج برمجة عادية أو ربطا بين نظامين. أما إن كانت المدخلات فوضوية — نص حر، ومستند ممسوح، وأسماء مكتوبة بعشر صيغ — فهذا بالضبط المكان الذي يستحق فيه النموذج تكلفته.

وهذا التمييز هو جوهر ما أفعله في أي مشروع ذكاء اصطناعي: نصف الجلسة الأولى يذهب في شطب أفكار لا تحتاج نموذجا أصلا، والنصف الآخر في ترتيب ما تبقى بحسب الوقت الذي يستهلكه فعلا.
أين يفيد فعلا في المؤسسة الكويتية
الحالات التي رأيتها تعطي عائدا حقيقيا متشابهة إلى حد ممل: عمل متكرر، يقوم به إنسان يقرأ ويقرر، ومخرجه لا يحتاج دقة مطلقة لأن أمامه مراجعة بشرية.
- قراءة فواتير الموردين الواردة بصيغ مختلفة وبالعربية والإنجليزية، واستخراج الحقول منها
- تصنيف رسائل العملاء وتوجيهها إلى القسم الصحيح قبل أن يفتحها موظف
- مطابقة أسماء الشركات والعملاء المكتوبة بعدة صيغ على سجل واحد موحد
- البحث الداخلي في العقود والسياسات والمواصفات بسؤال بشري لا بكلمة مفتاحية
- تلخيص محاضر الاجتماعات واستخراج القرارات والمهام منها
- صياغة مسودات أولى للردود والعروض يراجعها الموظف بدل أن يكتبها من الصفر
لاحظ أن أيا منها لا يظهر أمام العميل. هذا مقصود. العمل الخلفي هو المكان الذي يحتمل الخطأ فيه مراجعة، والذي يستهلك ساعات يمكن عدها، والذي يمكن قياس التوفير فيه بعد شهر واحد. وأغلب هذه الحالات في الحقيقة مشاريع أتمتة يدخل النموذج في خطوة واحدة منها فقط.
ونقطة تقلق كثيرا من أصحاب الأعمال: وجود مراجعة بشرية ليس عيبا في التصميم بل جزء منه. الهدف ليس أن يختفي الموظف من المسار، بل أن يتحول عمله من الإدخال إلى المراجعة. الموظف الذي كان يقرأ أربعين فاتورة ويدخلها يصبح يراجع أربعين حقلا مستخرجا ويصحح ما أخطأ. هذا وحده يقلص الوقت إلى الثلث، ولا يحتاج دقة كاملة ليستحق.
وأين يضيع المال
أكثر ما رأيته إهدارا: وضع نموذج لغوي في مسار كان محسوما بقاعدة ثابتة. حساب الضريبة، وإصدار الفاتورة، والتحقق من الرصيد، وتطبيق سياسة الخصم — كلها عمليات لها إجابة واحدة صحيحة. النموذج هنا يضيف تكلفة عن كل عملية، ويضيف احتمال خطأ في مكان لم يكن فيه احتمال خطأ، ويصعب تفسير مخرجه حين يسأل عنه أحد.
والثاني: استبدال أداة تعمل. رأيت شركات تستبدل حقل بحث سريع ودقيق في متجرها بمساعد محادثة أبطأ منه ويخطئ أحيانا، لأن الأول بدا قديما. لا يقاس التحسين بمظهر الواجهة بل بزمن وصول العميل إلى ما يريد.
والثالث، وهو الأكثر كلفة: بناء شيء على بيانات لم تنظف بعد. النموذج لا يصلح بياناتك، بل يعكس فوضاها بثقة أعلى. وحين يكون سجل العملاء مكررا وأسماء المنتجات غير موحدة، فالمشروع الحقيقي أمامك ترتيب بيانات، وهو جزء من التحول الرقمي لا مشروع ذكاء اصطناعي.
العربية تغير الحساب
هذه النقطة تغيب عن كل عرض تقديمي تقريبا، لأن أغلب العروض مبنية على تجارب إنجليزية. والفارق ليس نظريا، وهناك أرقام منشورة يمكن الرجوع إليها.

في قراءة المستندات العربية، أظهر مقياس منشور للقراءة الضوئية وفهم المستندات العربية أن النماذج البصرية الحديثة تتفوق كثيرا على أدوات القراءة التقليدية، لكن أفضلها لم يتجاوز نحو 65% في تحويل ملف عربي إلى نص منظم. والأصعب فيها الجداول والخلايا المدمجة والاتجاه من اليمين إلى اليسار — أي بالضبط شكل المستندات التي تتعامل معها المؤسسات.
وفي فهم اللغة نفسها، سجلت أعلى النماذج العربية نحو 72 إلى 74% في مقياس لغوي حديث يقيس النحو والصرف والإملاء والاستيعاب، مع فجوات حادة داخل النموذج الواحد: نموذج بلغ 86.7% في الإملاء ولم يتجاوز 53.3% في النحو. وخلص المقياس إلى ملاحظة تستحق الوقوف: نتيجة عالية في اختبار معرفي عام لا تعني فهما لغويا حقيقيا.
ماذا يعني هذا عمليا؟ أن أي وعد بنسبة دقة سمعته في عرض إنجليزي لا ينقل كما هو إلى بياناتك. ويعني أن الاختبار يجب أن يجرى على مستنداتك أنت وبلهجة عملائك، لا على الأمثلة التي يختارها المورد. ويعني أن حجم المراجعة البشرية التي ستحتاجها في السنة الأولى أكبر مما قدر لك.
روبوت المحادثة: الأكثر طلبا والأكثر خيبة
أكثر ما يطلب مني، وأكثر ما ينتهي مخيبا حين ينفذ على عجل. والسبب واحد دائما: يبنى الروبوت كواجهة جميلة لا يقف خلفها شيء. يفتح العميل المحادثة ويسأل عن حالة طلبه، فلا يجد الروبوت وصولا إلى نظام الطلبات، فيرد بكلام عام مهذب. ويخرج العميل بانطباع أسوأ مما لو لم يجد شيئا.
الروبوت الذي يعمل هو الذي يصل إلى بياناتك: حالة الطلب، والمخزون، والفاتورة، وسجل العميل. وهذه هي المشكلة الحقيقية — الربط لا المحادثة. ومن يفهم هذا مبكرا يبدأ من ثلاثة أسئلة يعرف أن الروبوت يستطيع الإجابة عنها إجابة قاطعة من نظام حقيقي، ثم يوسع. أما من يبدأ من الواجهة فيقضي شهرين ثم يطفئها بهدوء. تفصيل هذا في صفحة تطوير روبوتات المحادثة.
وقاعدة أخيرة هنا: اجعل الروبوت يقول لا أعرف ويحول إلى إنسان. الروبوت الذي يخترع إجابة عن سعر أو سياسة إرجاع يكلفك أكثر من أي توفير حققه.
أين تعالج البيانات ومن يجيب عن السؤال النظامي
القرار الذي يؤجل دائما ثم يعود متأخرا. استخدام نموذج يعني إرسال بيانات إلى مكان ما، وقد تكون تلك البيانات عقودا أو سجلات عملاء أو مستندات داخلية. والكويت ليس فيها حتى الآن قانون مخصص للذكاء الاصطناعي، لكن الإطار القائم يمسه من عدة جهات: تصنيف البيانات، وضوابط الحوسبة السحابية، والتزامات الإبلاغ عن الحوادث — وهذا ما تلخصه المراجعات القانونية للوضع الكويتي، مع إشارة إلى استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي لم تصدر بعد.
ويضاف إلى ذلك واقع البنية التحتية. تشير متابعات إقليمية إلى أن الكويت تملك عددا محدودا من مراكز البيانات مقارنة بجيرانها، وأنه لا توجد فيها منطقة سحابية كبرى تعمل محليا حتى الآن. عمليا هذا يعني أن السؤال ليس هل نستخدم السحابة، بل أي منطقة جغرافية نختار، وأي فئة من بياناتنا يسمح لها بالخروج.
ولهذا أضع هذا القرار في الأسبوع الأول لا الأخير. تغييره بعد أن يبنى النظام يعني إعادة بناء، وهو من أوضح المواضع التي تحتاج فيها الإدارة إلى رأي تقني يمثلها هي لا رأي المورد.
التكلفة التي لا تظهر في العرض
سعر النموذج نفسه غالبا أصغر بند في المشروع. البنود التي تفاجئ: تجهيز البيانات وتنظيفها، والمراجعة البشرية في الأشهر الأولى، والربط مع الأنظمة القائمة، والتكلفة المستمرة لكل عملية بعد أن يتوسع الاستخدام.
والبند الأخير هو الذي يفلت من الحساب أكثر من غيره. الفكرة التي تكلف فلوسا قليلة على ألف عملية شهريا تصبح بندا حقيقيا على مليون. اسأل قبل التوقيع: ما تكلفة العملية الواحدة، وكم عملية نتوقع في السنة الثانية؟ وإن لم يستطع المورد الإجابة برقم، فالعرض غير مكتمل.
وهناك تكلفة أخيرة لا يذكرها أحد: التجربة التي لا تغلق. كثير من المؤسسات لديها اليوم ثلاث أو أربع أدوات جربت ولم تلغ اشتراكاتها، وبعضها ما زال موصولا ببياناتها. راجع ما اشتركت فيه فعلا مرة كل ستة أشهر، وأغلق ما لا يستخدم — فالتكلفة هنا مالية وأمنية معا.
اختبار أربعة أسابيع قبل أي التزام
- الأسبوع 1: اختر عملا واحدا متكررا يستهلك ساعات يمكن عدها، واكتب كم ساعة بالضبط اليوم
- الأسبوع 2: اجمع مئة حالة حقيقية من عملك أنت، بالعربية وبالإنجليزية وبالفوضى التي تصل بها فعلا
- الأسبوع 3: شغل الفكرة على المئة حالة وسجل نسبة الصواب، وسجل معها ماذا يكلف الخطأ حين يقع
- الأسبوع 4: قارن الساعات الموفرة بالتكلفة السنوية شاملة المراجعة البشرية، ثم قرر
أربعة أسابيع وبتكلفة محدودة تعطيك رقما تستطيع الدفاع عنه أمام الإدارة. والنتيجة السلبية هنا مكسب لا خسارة: منعت مشروعا كان سيكلفك عشرة أضعاف. وهذا الاختبار نفسه يصلح لأي فكرة، سواء كانت داخل نظامك أو في موقعك ومنتجك الرقمي.
من يقود هذا داخل الشركة
ليس المورد. المورد يبيع ما لديه، وهذا حقه ووظيفته. والمشكلة أن كثيرا من المؤسسات تدخل هذا الباب بلا أحد يقرأ العرض من جهتها هي، فينتهي القرار إلى من قدم أجمل عرض تقديمي.
الشخص المطلوب لا يحتاج أن يكون مهندس تعلم آلي. يحتاج أن يفهم العمل والتقنية معا، وأن يملك صلاحية أن يقول لا. وحين لا يوجد داخل المؤسسة، فوجوده بدوام جزئي أرخص بكثير من ثمن قرار خاطئ واحد.
أسئلة شائعة
من أين نبدأ إن لم نجرب شيئا حتى الآن؟
ابدأ من عمل متكرر يقوم به إنسان يقرأ ويقرر، ويستهلك ساعات يمكن عدها، ولا يظهر أمام العميل. قراءة فواتير الموردين وتصنيف الرسائل الواردة مثالان جيدان. وابتعد في البداية عن أي شيء يخاطب العميل مباشرة، لأن كلفة الخطأ فيه أعلى بكثير من كلفة الخطأ في الداخل.
هل نحتاج نموذجا عربيا مخصصا؟
غالبا لا في البداية. النماذج العامة الكبيرة تتعامل مع العربية بشكل معقول في أغلب حالات العمل. لكن لا تفترض النتيجة: اختبر على مئة حالة من بياناتك أنت وسجل النسبة. وإن كان عملك يعتمد على لهجة محلية أو مستندات ممسوحة رديئة الجودة، فهنا تظهر الفجوة وقد يستحق البحث عن خيار متخصص.
هل بياناتنا آمنة إن استخدمنا خدمة عالمية؟
يعتمد على فئة البيانات وعلى الاتفاقية التي توقعها. اطرح ثلاثة أسئلة قبل الربط: أين تعالج البيانات جغرافيا، وهل تستخدم في تدريب النموذج، وكم مدة الاحتفاظ بها. وإن كانت البيانات حساسة أو خاضعة لعقد مع جهة حكومية، فالقرار يحتاج مراجعة نظامية قبل التنفيذ لا بعده.
كم يكلف أول مشروع؟
اختبار الأربعة أسابيع تكلفته محدودة ومقصودة أن تكون كذلك. أما مشروع التشغيل فيتحدد بشيئين: حالة بياناتك، وعدد الأنظمة التي يجب الربط بها. البيانات النظيفة ونظام واحد تعني أسابيع، والبيانات المبعثرة وأربعة أنظمة تعني شهورا. ولهذا لا أعطي رقما قبل الاطلاع على أنظمتكم وبياناتكم فعلا.
هل سيستغني هذا عن موظفين لدينا؟
في الحالات التي أعمل عليها، لا. ما يحدث عمليا أن الجزء المتكرر من العمل يقل، ويتحول دور الموظف إلى المراجعة والحالات الصعبة. والمؤسسات التي دخلت هذا الباب بنية تقليل العدد خرجت غالبا بنتيجة سيئة، لأن المراجعة البشرية في السنة الأولى تحتاج وقتا أكثر لا أقل.